محمد متولي الشعراوي

1351

تفسير الشعراوى

التنفس إلى أن توجد له إرادة . ولا توجد الإرادة إلا إن وجد عند الإنسان علم بأنه يريد إدخال الأوكسجين إلى الرئتين حتى يغذى الدم والمخ وينقى الدم والجسم من الأشياء التي تضره ، هذا يقتضى العلم ، فإذا كان هذا الأمر يقتضى العلم . فماذا يصنع الطفل الذي ليس له علم ؟ كيف يتنفس ؟ لذلك فمن رحمة اللّه وعدالته أن جعل أمر التنفس - على سبيل المثال - بيده هو سبحانه ، ولكن الحق سبحانه لم يقض على مخلوقه بأن يجعله في الكون بلا حرية أو اختيار ، لا ، لقد ترك الحق سبحانه بعضا من الأشياء لحرية الإنسان واختياره . إذن ، فالحق لم يلزم العبد تسخيرا ، ولم يمنع تخييرا . وذلك هو العدل المطلق . لقد احترم الحق كينونة الإنسان ، وحياة الإنسان ، ومشيئة الإنسان ، واختيار الإنسان ، فقال : أنا سأعطيك أسباب الحياة الضرورية ولا أجعل لك دخلا فيها ؛ لأنك إن تدخلت فيها أفسدتها ، وتأخر وصول خدمتها لك إلى أن تعرف وتعلم ، وأنا - الحق - أريدها لك ، وأنت أيها الإنسان عاجز قبل أن توجد لك ، وأنت قادر بوجودها الذي أمنحه لك ؛ لذلك جعلتها بيدي أنا الخالق المأمون على خلقي . ولكن لن أقضى على حريتك ، فإن أردت ارتقاء في الحياة فتحرك في الحياة ، إن شئت أيها الإنسان أن تفعل فافعل . وإن شئت أيها الإنسان ألا تفعل فلا تفعل . وهذا مطلق العدل . ثم جاء الحق سبحانه وتعالى وجعل قوله : « قائِماً بِالْقِسْطِ » مشتملا على التكليف أيضا ، أي إن عدالته في التكليف مطلقة . فأناس يقولون : « لا إله » وأناس آخرون عددوا الآلهة ، فقام الحق بالقسط بين الأمرين . هو إله موجود يا من تقول : « لا إله » . وهو إله غير متعدد يا من تشرك معه غيره . وهذا قيام بالقسط . وجاء الحق سبحانه في الأحكام . نحن نجد أحكاما شرعية طلبها الحق سبحانه من العبد طلبا باتا ، ولم يتركها لاختيار الإنسان ونجد أشياء تركها الحق سبحانه ليجتهد فيها الإنسان ، فلم يجعل الحق سبحانه العبد حرا طليقا يعربد في الكون كما يشاء ، ولم يجعل الحق سبحانه عبده مقهورا أو مقسورا بحيث لا توجد له إرادة أو اختيار . لقد جعل اللّه للإنسان مجالا في القسر ومجالا في الاختيار ، أوجد في الإنسان القدرة على الحركة في الحياة ، ولكنه قال لك : أيها الإنسان - وهو الإله القادر - تحرك